حكم النمص بإذن الزوج

الرئيسيةتصنيف: اللباس والزينةحكم النمص بإذن الزوج
محمد بن شمس الدين المشرفين asked سنتين ago

هناك من قال بأن النمص بإذن الزوج جائز عند جمهور العلماء وهم الثلاثة عدا الحنابلة فهل هذا صحيح

1 Answers
محمد بن شمس الدين المشرفين answered سنتين ago

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
 
روى البخاري ومسلم  في صحيحيهما عن علقمة قال: (لَعَنَ عَبْدُ اللَّهِ، الوَاشِمَاتِ وَالمُتَنَمِّصَاتِ، وَالمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ، فَقَالَتْ أُمُّ يَعْقُوبَ: مَا هَذَا؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «وَمَا لِي لاَ أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ؟» قَالَتْ: وَاللَّهِ لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَمَا وَجَدْتُهُ، قَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}  “) واللفظ للبخاري وروى أحمد نحوه في مسنده وصححه أحمد شاكر.
وعنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ : (لُعِنَتِ الواصلةُ والمستوصلةُ ، والنَّامصةُ والمتنمِّصةُ ، والواشمةُ والمستوشمةُ ، مِن غيرِ داءٍ
 
وقد اختلف الفقهاء في تفاصيل هذا التحريم، قبل أن أشرع في الكلام؛ فالتي تبحث عن من يبيح لها النمص فعليها أن تكون منتقبة وترتدي النقاب الذي لا يظهر منه الحاجبين، لأن الذين أباحوا ذلك لم يبيحوا إظهاره أمام الأجانب.
لكن قول القائل بأن الجمهور قال أن النمص جائز بإذن الزوج هذا قول باطل، فأكثر الفقهاء عند ذكرهم للمسألة لم يذكروا فيها تفصيل ولو كانوا يرون وجود استثناء في النمص لذكروه، فإن كان بعض فقهاء المذهب رأوا رأياً فلا يمكن أن يُقال أن هذا قول المذهب الفلاني، وسأنقل بعض أقوال الأئمة من مختلف المذاهب، ثم أذكر الصواب بإذن الله:
 
الحنابلة
قال ابن قدامة رحمه الله في المغني: ” فَأَمَّا النَّامِصَةُ: فَهِيَ الَّتِي تَنْتِفُ الشَّعْرَ مِنْ الْوَجْهِ، وَالْمُتَنَمِّصَةُ: الْمَنْتُوفُ شَعْرُهَا بِأَمْرِهَا، فَلَا يَجُوزُ لِلْخَبَرِ. وَإِنْ حَلَقَ الشَّعْرَ فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا وَرَدَ فِي النَّتْفِ. نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ
وفي الشرح الكبير : “فأما النامصة فهي التي تنتف الشعر من الوجه والمنتمصة المنتوف شعرها بأمرها فلا يجوز للخبر”
وقال المرداوي: “وَيَحْرُم نَمَصٌ، وَوَشَرٌ، وَوَشْمٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ” وقال “وَأَبَاحَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ النَّمَصَ وَحْدَهُ. وَحَمَلَ النَّهْيَ عَلَى التَّدْلِيسِ، أَوْ أَنَّهُ شِعَارُ الْفَاجِرَاتِ، وَفِي الْغُنْيَةِ وَجْهٌ يَجُوزُ النَّمَصُ بِطَلَبِ الزَّوْجِ”
 
الشافعية:
وقال النووي : “يستثنى من النماص ما إذا نبت للمرأة لحية أو شارب أو عنفقة فلا يحرم عليها إزالتها بل يستحب”
 
قال ابن حجر: [معلّقاً على قول النووي الآنف ذكره]: “وإطلاقه مقيد بإذن الزوج وعلمه، وإلا فمتى خلا عن ذلك منع للتدليس” أي أنها لا تنتف لحيتها أو ما شابه مما جاز نتفه إلا بعلم الزوج وإذنه، وعلل هذا بشبهة التدليس، أي كي لا يظنها زوجها خالية من هذا العيب
قال الماوردي في الحاوي: “أَنْ تَكُونَ ذَاتَ زَوْجٍ تَفْعَلُ ذَلِكَ لِلزِّينَةِ عِنْدَ زَوْجِهَا أَوْ أَمَةً تَفْعَلُ ذَلِكَ لِسَيِّدِهَا، فَهَذَا غَيْرُ حَرَامٍ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ الزِّينَةِ لِزَوْجِهَا مِنَ الْكُحْلِ وَالْخِضَابِ” 
 
المالكية:
قال ابن الحاج المالكي في المدخل: “وَكَذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَدَعَ امْرَأَةً تُحَفِّفُهَا، وَلَا تَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ شَعْرِ حَاجِبَيْهَا، وَلَا تَفْعَلَ هِيَ أَيْضًا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِنَفْسِهَا”
 
الحنفيّة:
قال ابن عابدين: ” وَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا فَعَلَتْهُ لِتَتَزَيَّنَ لِلْأَجَانِبِ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ فِي وَجْهِهَا شَعْرٌ يَنْفِرُ زَوْجُهَا عَنْهَا بِسَبَبِهِ، فَفِي تَحْرِيمِ إزَالَتِهِ بُعْدٌ، لِأَنَّ الزِّينَةَ لِلنِّسَاءِ مَطْلُوبَةٌ لِلتَّحْسِينِ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ لِمَا فِي نَتْفِهِ بِالْمِنْمَاصِ مِنْ الْإِيذَاءِ” 
وهذا الكلام استشهد به القائلون بجواز النمص بإذن الزوج، مع أن ابن عابدين رحمه الله تعالى قال “فَلَوْ كَانَ فِي وَجْهِهَا شَعْرٌ يَنْفِرُ زَوْجُهَا عَنْهَا بِسَبَبِهِ” فهذا عندما يكون الشعر منظره منفّر للزوج وليس عندما تريد زيادة جمالها او اتباع الموضة
واحتجوا أيضا بما نقله ابن عابدين عن التتارخانية: “وَلَا بَأْسَ بِأَخْذِ الْحَاجِبَيْنِ وَشَعْرِ وَجْهِهِ مَا لَمْ يُشْبِهْ الْمُخَنَّثَ” وهذا للرجال فهل إذا أزالت المرأة شعر وجهها أشبهت المخنّث!
 
المذاهب الأخرى:
قال ابن حزم الظاهري في المحلّى: “وَالنَّامِصَةُ وَالْمُتَنَمِّصَةُ – وَالنَّمْصُ هُوَ نَتْفُ الشَّعْرِ مِنْ الْوَجْهِ – فَكُلُّ مَنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ فِي نَفْسِهَا، أَوْ فِي غَيْرِهَا فَمَلْعُونَاتٌ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ”
مذهب الشوكاني: نقل عن النووي “إلَّا إذَا نَبَتَ لِلْمَرْأَةِ لِحْيَةٌ أَوْ شَوَارِبُ فَلَا تَحْرُمُ إزَالَتُهَا بَلْ تُسْتَحَبُّ”
مذهب الطبري: ” لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة أو نقص التماس الحسن لا للزوج ولا لغيره كمن تكون مقرونة الحاجبين فتزيل ما بينهما توهم البلج أو عكسه ، ومن تكون لها سن زائدة فتقلعها أو طويلة فتقطع منها أو لحية أو شارب أو عنفقة فتزيلها بالنتف ، ومن يكون شعرها قصيرا أو حقيرا فتطوله أو تغزره بشعر غيرها ، فكل ذلك داخل في النهي . وهو من تغيير خلق الله – تعالى – . قال : ويستثنى من ذلك ما يحصل به الضرر والأذية كمن يكون لها سن زائدة أو طويلة تعيقها في الأكل أو إصبع زائدة تؤذيها أو تؤلمها فيجوز ذلك ، والرجل في هذا الأخير كالمرأة”
 
فأصل الخلاف هو في سبب النهي: هل النتف منهي عنه لذاته، أم منهي عنه لكي لا يتم خداع الخاطب، أم منهي عنه أمام الأجانب.
فابتداءً هناك مسألتين فيمن يبيح النمص بإذن الزوج؛ وهما:
1- إذا كانت العلة هي عدم خداع الخاطب فلا حاجة إذن لإذن الزوج ولا دليل وإنما يجب علمه فقط، كذلك فسيُباح هذا لمن لا ترغب بالزواج والمعتدّة وما شابههما
2- إذا كانت العلة هي عدم ظهورها أمام الأجانب فهذا يجب أن يقول بجواز كشف باقي الوجه أمام الأجانب، فإن كان يقول به ويرى حرمة رؤية الأجنبي للنمص فليس له أن يبيح ذلك بإذن الزوج.
 
ثم أقول: القائلون بهذا القول لهم دليلان:
الأول: مأخرجه الطبري رحمه الله من طريق ابن إسحاق، عن امرأته أنها دخلت على عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها و كانت شابة يعجبها الجمال فقالت: المرأة تحف جبينها لزوجها ؟ فقالت [عائشة]: أميطي عنك الأذى ما استطعت .
قلت: هذا الحديث ضعفه الشيخ الألباني، ومع ذلك فقد ورد في مصنف عبد الرزاق بلفظ (فَقَالَتْ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ فِي وَجْهِي شَعَرَاتٌ أَفَأَنْتِفُهُنَّ أَتَزَيَّنُ بِذَلِكَ لِزَوْجِي)
فالواضح من الحديث [إذا كان صحيحاً] أن شعر المرأة في جبينها أو وجهها وليس في حاجبيها، والمعلوم بأن الشعر على الجبين أو الخدين للمرأة مؤذي للزوج ومنفّر فإزالته لا بأس فيها لأنه أذى، وهذا يختلف عن الحاجبين الطبيعيين التي تريد بعض النساء تضييقها.
 
الثاني: حديث بكرة بنت عقبة أنها دخلت على عائشة وهي جالسة في معصفرة فسألتها عن الحناء فقالت شجرة طيبة وماء طهور وسألتها عن الحفاف فقالت لها إن كان لك زوج فاستطعت أن تنزعي مقلتيك فتصنعينهما أحسن مما هما فافعلي.
قلت: وهذا أيضاً إن صح فلا دلالة فيه لأنه عام ولأن المنع من النمص خاص بالوجه أو بالحاجبين إذ لم يخالف أحد فيما أعلم في أن النمص يٌقصد به نتف الوجه أو نتف الحاجبين، ولا يستدل على الخاص بالعام. ولكن الأثر بكل الأحوال مروي عن بكرة بنت عقبة وهي مجهولة فالحديث لا يُحتج به.
 
ولنا ما رواه الشيخان  عنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: (جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي ابْنَةً عُرَيِّسًا أَصَابَتْهَا حَصْبَةٌ فَتَمَرَّقَ شَعْرُهَا أَفَأَصِلُهُ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ اللهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ») وعنها  في صحيح مسلم: (أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: «إِنِّي زَوَّجْتُ ابْنَتِي فَتَمَرَّقَ شَعَرُ رَأْسِهَا وَزَوْجُهَا يَسْتَحْسِنُهَا، أَفَأَصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ فَنَهَاهَا»)
وجه الدلالة: أن المرأة كانت ستصل شعر ابنتها لزوجها فنهاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصل الشعر والنتف قرينان في الحديث المتقدّم.
 
وكذلك للحديث الذي رواه الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود إذ لعن النامصات فسألته المرأة، ففي رواية مسلم وأحمد: (فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: فَإِنِّي أَرَى شَيْئًا مِنْ هَذَا عَلَى امْرَأَتِكَ الْآنَ، قَالَ: «اذْهَبِي فَانْظُرِي»، قَالَ: فَدَخَلَتْ عَلَى امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا، فَقَالَ: «أَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ نُجَامِعْهَا»)
وجه الدلالة: أن المرأة سألته عن زوجته فلو كان هناك استثناء للزوجة لأخبرها، ثم بعد أن دخلت المرأة وتأكدت، قال لها عبد الله رضي الله عنه: (أَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ نُجَامِعْهَا) أي لم نبقيها معنا، فلو جاز لها فعل ذلك بإذنه لما قال هذا الكلام.
 
فالحاصل من المسألة أن نتف شعر الحاجبين غير جائز مُطلقاً إلا إذا كان فيه تشوّه ومنظر خارج عن العادة، فإن كان هكذا يزال التشوه بقدر الحاجة فقط من باب إزالة الضرر، وأن النتف بإذن الزوج قول لا يصح وليس هو مذهب الجمهور.
 
والله أعلم