ما حكم الاحتفال بالمولد النبوي

الرئيسيةتصنيف: السنة والبدعةما حكم الاحتفال بالمولد النبوي
2 Answers
محمد بن شمس الدين المشرفين answered سنتين ago

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

من المعلوم أن العبادات توقيفية، أي لا يجوز للإنسان أن يأتِ بعبادة من عنده ليتعبّد لله تعالى بها، وإنما يقتصر على ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا..﴾ [البقرة:170]، وفي هذه الآية وجوب اتّباع ما أنزل الله تعالى فقط.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:153] ودل هذا على أننا مأمورون باتّباع الوحي، وأنّ كل سبيل غير الوحي هو سبيل للبعد عن الصراط المستقيم.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام:50] وفيه فائدتان:
الأولى: أنّ رسول الله ﷺ وهو خير خلق الله عز وجل، وهو من هو في جلالة قدره وعِظم شانه وزيادة علمه وفهمه لا يتّبع إلا ما أوحى الله إليه فلا يزيد على ذلك شيئاً من عنده.
الثانية: أن اتّباع رسول الله ﷺ هو اتّباع لله عز وجل، لأن رسول الله ﷺ هو المُبلّغ عن الوحي قولاً، والمُتّبع له عملاً.
وقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:31] فدلّت الآية على وجوب اتّباع الرسول صلى الله عليه وسلم للوصول إلى رضى الله. والزيادة على فعله وهدية ﷺ تنافي الاتّباع له، وبالتالي تنافي الوصول إلى رضى الله عز وجل. ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران:55]
وقوله تعالى: ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص:49] ودل هذا على أنه لا يوجد ما هو أهدى مما
وقوله تعالى: ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:3] فدلّ على الأمر باتّباع الوحي، والنهي عن اتّباع أحد من النّاس.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية:18] ودل هذ على اتّباع الشريعة، وأن الناس لا يعلمون الحق خارج إطار الشريعة، فلا يجوز اتّباعهم.
وعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام:56] ودل هذا على أنّ اتّباع أهواء الناس يؤدّي إلى الضّلال والابتعاد عن الهُدى. والهوى هو ما تهواه الأنفس من أمور غير منضبطة بضابط الاتّباع، قد يراد بها المعصية، أو يُراد بها الطاعة.
وقوله تعالى ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:108]، ودل هذا على أن الدّعوة إلى الله يجب أن تكون على بصيرة، أي شيء واضح جلى وقواعد ثابتة، لا بالآراء والأهواء، فإذا كانت الدعوة على بصيرة، فهذا يقتضي أن العمل يجب أن يكون على بصيرة. ودل على هذا قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد:14].
 
ثانيا:
قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:3] وهذا يعني أن الدين الإسلامي وصل الى درجة الكمال التي لا يفوقها شيء
ومن المعلوم أن كل ما زاد عن الكمال فهو أذى.
مثال: لو وصف لك الطبيب حبة دواء فقط (هذا كمال)، ثم أخذت أكثر، فسبب لك هذا مضاعفات وآثار سلبية.  
إذن فكل ما فوق الكمال أذى.
وديننا الحنيف اكتمل في نهاية حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل من زاد على هذا الدين شيء فقد جاء بأذى، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ ) [رواه الشيخان] (َهُوَ رَدٌّ) أي مردود غير مقبول.

والاحتفال بمولد النبي ﷺ، لم يجر عليه عمل الرسول ﷺ ولا صحابته الكرام، بل أول من عمله العبيديين في مصر (وهم من الشيعة المبتدعة) في عصور متأخرة، فإذا عرفنا أنّ العبيديين هم من شَرَع هذا الأمر، ثم نظرنا إلى قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه﴾ لوجدنا أن الأمر خطير، وأنّ الله تعالى لا يرضى أن يُشرّع أحد شيئاً في دينه، لأن الله هو الوحيد الذي له حق التشريع، ويجب أن يُعبَد كما أراد هو، لا كما أراد غيره.
 
فلو كان هذا الاحتفال طاعة لله عز وجل، فلماذا لم يخبرنا رسول الله ﷺ بها؟
 
فإن قيل أنّ رسول الله ﷺ علِمها ولَم يخبرنا بها، فهذا اتّهام له بإخفاء الحق، والقُصور بتبليغ الرّسالة، وخيانة الأمانة –حاشاه-.
 
وإن قيل أن رسول الله ﷺ لم يعلم بهذه الطاعة، قلت: وكيف علم بها من بَعده وبأي وحي أوحي عليهم.
 
وإن قيل: ان هناك من الطاعات ما لم يُخبرنا رسول الله ﷺ بها، وهي مستحدثة، كوضع قواعد التجويد، وابتكار علم الحديث…
قلنا: هذه مسائل دَعت إليها الحاجة، ولم يحتج إليها الناس في زمن النبوّة، بينما الاحتفال بمولده ﷺ كانت الواجب بيانه في عصر النبوّة فهو ليس مسألة جديدة كان الناس غافلون عنها، أو في غنى عنها؟
وإن قيل هناك أمور تعبّدية، كالأذان الأول يوم الجمعة، وجمع الناس في صلاة التراويح…
قلنا: هذه من سنن الخلفاء الراشدين المهديين، والذين قال رسول الله ﷺ : (عليكم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهديِّينَ بعدي ، عضُّوا عليها بالنَّواجذِ) [صححه الذهبي]

فإن قال قائل: هل سيحاسبني الله على فرحي بمولد رسوله صلى الله عليه وسلم؟
أقول بل يحاسبك على مخالفة سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى التشريع بغير ما اذن الله، واعتقاد أن هناك خير لم يدلنا الله عليه، وغيرها من المخالفات التي ذكرتها آنفاً.

وإن قال قائل: أفلا نفرح بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
أقول: افرح لكن لا تحتفل، ولا تجعل فرحك محدود بيوم من أيام السنة كما يفعل النصارى، خصوصاً أنّ هذا اليوم الذي تحتفل فيه لم يثبت أنّه ليوم ميلاده،  فمولد النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت انه في الثاني عشر من ربيع الأول، ولا في العاشر منه، ولم يصح أي نص في تاريخه، فقد قيل في اليوم الثاني، وفيل في السابع، وقيل في الثامن، وقيل في العاشر، وقيل في رمضان، وقيل في صفر، ولم يثبت الا كونه يوم إثنين.
 
وإن قال قائل أنّ الله تعالى خفف عذاب أبا لهب وهو كافر لأنّه فرح بميلاد رسول الله ﷺ، فكيف بِنا نَحن؟
قُلت: هذه القصة هي عبارة عن أنّ أحدهم رأى في منامه أن أبو لهب قال له أن الله سقاه بعض الماء في جهنم لأنّه أعتق جاريته ثويبة عندما أخبرته بميلاد رسول الله ﷺ. وهذه القصّة ذكرها عروة رحمه الله، ولا نَعلم مَن الذي أخبره بها، فهي قصة مُرسلة لا تَصح. وإن صحّت فهي لا تعدو كونها رؤية منام رآها أحدهم.

وإن قال قائل: اننا نصوم في يوم نجاة موسى عليه السلام من فرعون، فيوم ولادة الرسول ﷺ أفضل منه وأولى بالاحتفال
قلت: أولاً: نحن في يوم نجاة موسى ﷺ نصوم، أما الذين يحتفلون هم اليهود.
ثانياً: تفضيل هذا اليوم على غيره يحتاج دليل، لأن الفضل يكون بأفضليّته عند الله وليس عندنا، ونحن لا نستطيع معرفة الأفضل عند الله تعالى إلا بدليل. أما لو قسناها عقلاً فقد نقول يوم بعثته أفضل من يوم ميلاده، وقد يقول آخر يوم نجاه الله من قريش أفضل، ويقول آخر يوم فتح مكة أفضل. فتحكيم العقل في هذه الأمور لا يجوز.
كما أنّ هناك أربع وعشرون نبياً نعرفهم غير موسى عليهم السلام، ومع ذلك لم تؤمر بصيام ايام ميلادهم ولا ايام نجاتهم، فلا شك ان يوم نجاة إبراهيم عليه السلام من النار يوم فضيل، ويوم نجاة عيسى عليه السلام من الصلب يوم فضيل، ومع ذلك لم نؤمر بصيام شيء منها، فصيام عاشوراء كان لحادثة بعينها ولحكمة يعلمها الله جل وعلا.
 
وإن قال قائل: أن رسول الله ﷺ سنّ لنا صيام يوم الاثنين لأنّه ولد فيه، فكيف لا نحتفل بميلاده.
قلت: شُرع صيام يوم الاثنين من كل أسبوع، وقد ثبت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد فيه وبعث فيه، وفيه ترفع الأعمال الى الله، فاجتمعت فيه ثلاثة أمور: ميلاده وبعثته ﷺ ورفع الأعمال إلى الله جل وعلا. وليس ميلاده فقط.
وهذا يوم ثبت صيامه بدليل شرعي، واحتفالكم لم يثبت بدليل.
وهذا يوم شُرع فيه الصيام، وأنتم تحتفلون.
وهذا يوم أسبوعي، واليوم الذي تحتفلون فيه سنوي.
فهذه فروق لا تخفى على عاقلٍ مريدٍ لاتّباع شرع الله عز وجل.
 
وإن قال قائل: أنا أذهب للاحتفالية لأسمع بعض الذكر والتقي بالصالحين المجتمعين في هذا اليوم.
قلت: هذا لا يجوز لأن فيه إقرار لهم على بدعتهم وتكثير لسوادهم، بل عليك إن كانت لك صحبة معهم أن تنصحهم بعدم الذهاب.

 
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين